من عند مثل القزم ببطء ببطء نحو الأسطورة

لميس سعيدي

1

يعيش في بلاد، لا يجيد أبناؤها تسمية الحرب القديمة؛ وإذا أخطأوا في تسميتها، يشعلون حربا جديدة، هكذا، كما يشعل -المساجين- سيجارة بسيجارة أخرى.



2

بنايات آلجي* قديمة
كمحاربين قُدامى نجوا من الحرب
ليعيشوا طويلا برصاصة ترقد إلى جانب القلب
مع ذلك، فهي تحتفظ بكامل شبابها
فأسطحها لا تخلو من الملابس الملوَّنة
ومن نساء يصعدن إليها في منتصف النهار
بشَعر مطلوق وتنانير قصيرة
كصورة ممثّلة مجهولة، على جدار غرفة مراهق في "عصر الثمانينات"
كما يطلّ من شرفاتها في أوّل الظهيرة، رجالٌ
بأجسام غير متناسقة
وبكرش يسمّونه الإسبان
La curva de la felicidad
(انحناءة السعادة)
يدخّنون عادة أو يديرون ظهرهم للبحر
البحر الذي لم يعد زرقة في العينين
بل كدمة هائلة خلّفها الغزاة

*آلجي: أحد أسماء مدينة الجزائر العاصمة



3

تصعد النساء إلى السُطوح
مع روح الذبيحة
وبحماسة وفرح أمّ، نجا ابنها منذ آلاف السنين
ينظِّفن أحشاء الخروف –دون تذمّر
ثمّ يغسلن أرضية السطح بالماء والصابون
-من الدم وبقايا وجبة لم تُهضم جيّدا
وحين تصعد رائحة الشِّياط نحو السماء-كالبَخور
يسمحن للأطفال بالخروج واللعب بثيابهم الجديدة
وللفتيات بأن يفردن شعرهن المكويّ بعناية -لساعات طويلة
وبتذوّق طعم الكبِد الحادّ –الذي كاد أن يحترق
كمن يتذوّق الملح العالق بأصابعه
ليتأكّد بأنّه نجا من الغرق



4

قبل أن تطرده أطباق الدِّش وخزّانات الماء وموجات الأقمار الصناعية
-وتطرده أجساد ستظلّ متّسخة للأبد
كان للصابون بيت في سطوح تلك المدينة
وكان يُدعى: "بيت الصابون"
كانت النساء يصعدن إليه كلّ صباح
-كما يصعدن إلى بيت جارة، تنظّم "صبحيات" تقدّم فيها الشاي والكعك اللذيذ
بالفرح ذاته وبنميمة طازجة مخبّأة بين الأكمام
يدعكن الياقات البيضاء على قطعة خشبية
بالمهارة ذاتها، التي يقّطعن بها "فروة" الجارة الصبية -بألسنتهن الحادّة
ثمّ ينشرن غسيلهن -النظيف
وينزلن خفيفات، من عبء الروائح القديمة والذكريات والأحزان والضغائن الصغيرة وليلة الحب الفاشلة
بعدما رشّ الصابون عطره عليهن
كما تفعل القرويات، احتفاءً بالضيف المميّز
فقد كان الصابون حينها، أبيض وممتلئا وصلبا
كساعديّ امرأة فلاّحة



5

لا يعرف أيّة لغة تتحدّث بنايات تلك المدينة
مع أنّه يكلّم الجدران منذ سنوات طويلة
دون أن تردّ عليه
ودون أن يخبطها برأسه
كما يوصيه سكّانها
-حين لا يعجبه شيء-
تقول النكتة: ما دامت لا تردّ عليك، فأنتَ بصحة نفسية جيّدة
مع ذلك، فهو يسمعها حين تنقل صوت الماء -والبول- في المواسير
وصوت الخطوات الحافية -بعد فعل الحب أو حين تستيقظ العجوز مع آذان الفجر-
وركض الأطفال في السابعة صباحا
وصوت ضحكة الرجل الوحيد بعد منتصف الليل
يفكّر أحيانا، أنّ بعض السكّان "البرجوازيين" يتحدّثون بلغة أجنبية مع أبنائهم
فقط لتستأنس الجدران بلغة مصمّمها
رغم أن الجدران لا تعرف سوى لغة البنّائين
الذين يشتمون -فيما بينهم- مسؤول ورشة البناء
أو يحكون نكتا بذيئة عن زوجته، التي تحمل له الطعام كلّ يوم
دون أن تلتفت إليهم، بشربة ماء.



6

سيرثُ الحمام
-وطيور لا أعرف اسمها-
البنايةَ التي تحمل الرقم المقدَّس، في شارع "كريم بلقاسم"
كريم بلقاسم ليس شارعا
كريم بلقاسم
Boulevard
ويُترجَم هنا بكلمة، نهج
-النهج: الطريق المستقيم الواضح
أمّا أمّي، فقد وجدت له تسمية فاتنة: "بين القصرين"
فهو يمتدّ تماما من "قصر الشعب" حتّى "قصر الحكومة"
وإذا أردتَ الحقيقة كاملة: كريم بلقاسم شهيد -استُشهِد- بعد نهاية الحرب
(وفي سنة تحمل الرقم المقدَّس ذاته)
ثم أطلق رفيقه -الذي استشهد بعده باثنين وعشرين عاما- اسمه على هذا الممرّ الفريد
البناية التي تحتفظ بالسكّان ذاتهم، منذ قرابة ستّين عاما
والذين يذكرون من حين لآخر، أسطورة البِساط الأحمر وباقات الورد في المدخل الواسع -بانحناءة في الخَصْر- كزُقاق
السكّان الذين شهدوا انتحار الجارة
ويتحاشون الحديث في الأمر
كسِرّ عائلي قديم
السكّان الذين قالوا لأمّي -في سنوات الخوف- بصوت ملحميّ مؤثّر: "عليهم أن يمرّوا على جثثنا قبل أن يصلوا إلى ابنكِ"
وأمّي التي تبكي كلّما تذكّرت المشهد، ثم تضيف: إنّهم عائلتي.
مع هذا، سيرث الحمام -وطيور لا أعرف اسمها- كلّ ذلك
الحمام الذي يترك -كلّ صباح- أثره في الشرفات
والطيور التي لا تتوقف عن نقر زجاج النوافذ
كما في فيلم "الطيور" لهيتشكوك
-أحب أن أفكّر أنّ هيتشكوك زار آلجي في نهاية الخمسينيات، وقضى ليلة في تلك العمارة وأخذ فكرة الفيلم من هناك-
والعصفور الذي أُنقذه ليلة كلّ جمعة
بمكنسة ووابل من التوبيخ بلغة أجنبية –أحبّ أن أفكّر أنّها لغته-
حين يعلق بين الزجاج المغلق والستائر الخشبية المتينة
العصفور الذي –كما تقول الأسطورة- سيتعلّم التحليق قريبا
ويتسبّب في دخول شاعر إلى الجنّة