مقتطفات من الفصل الثالث: الطريق إلى القارة

Helmi Sharawy

Artwork by Naomi Segal

مقابلة مهمة
 
وفي احدى زيارات "السيد محمد فايق" وزملائة للرابطة الإفريقية التي كانت تأتي فجأة، ولا نعرف عنه إلا أنه مسئول كبير من عالم الرئاسة والمخابرات، وقريب من رئيس الدولة شخصيا... وإذ به يرى الصحف إياها في يدي بعد ان استلمتها من الأستاذ اسحق. كان لطيفا وودودا، أبدى دهشته بدوره من متابعتي لهذه الصحف، وتساءل عن طريقة استفادته منها، وإذ به يسأل الأستاذ إسحق عما اذا كان يمكن أن أقدم له – بعد مراجعة الأستاذ – ملخصا مفيدا عما بها من معلومات؟ حقق التساؤل أكثر من فائدة، حيث بدأت هذه الصحف تأتي بانتظام أكثر، وأخذت أستفيد من تفاصيل لايعرفها أحد في مصر عن عالم المستعمرات البريطانية على الأقل، وأصبحت أقدم مصدرا معرفيا هاما لشخصية كبيرة في الرئاسة. والأهم من ذلك كله حصولي على خمسة جنيهات شهريا نتيجة هذا العمل المفيد..! أصبحت صلتي قوية مع السيد فايق على المستوى الشخصي بقدر ما كانت عملية، وهو الرجل القادر على كسب الأصدقاء ويتوفر لديه احترام خاص للمثقفين كانت تندر أحيانا عند كثير من الضباط، مما جعله من نجوم القادة السياسيين بحق. وكانت علاقته بعبد الناصر تعطيه ثقه بنفسه وثقه الآخرين به  . . . .
بدأ السيد فايق يأتي إلي ببعض ما يتوفر له من كتب، لايملك وقتا لمتابعتها... وكان أول كتاب شامل أتعرف به على جانب آخر من حياة الشعوب الإفريقية هو كتاب الصحفي الأمريكي جون جنتر Inside Africa، وهو ما اكتشفت بعد سنوات أنه كان مصدر معرفي هام للسيد فايق نفسه حسب روايته، في بداية تخصصه الوظيفي في المكتب الإفريقي للرئيس.. وتدرجت حالتي المعرفية بعد ذلك ليكلفني بترجمة أجزاء من كتاب لورد هيلي African Survey الذي يضم حوالي 1800 صفحة، حيث كان مرجعا هاما يتضمن موضوعات موسوعية ووثائق تلك الفترة عن التطورات الإفريقية.
كنت أتردد إلى عالم الفولكلور أحيانا بناء على طلب الأستاذ رشدي صالح أو د. عبد الحميد يونس لأشارك بعض "بعثاته"، لكني كنت عمليا قد انشغلت تدريجيا بمتطلبات العمل والنشاط في رحاب الرابطة الإفريقية. وتصاعدت قيمتها الأدبية لي عندما قابلت ذات مساء عائلة الشهيد كمال الدين صلاح، المستشار المصري لبعثة الأمم المتحدة في مقديشيو بالصومال مع ترتيبات تأهيل ما يسمى بالصومال الايطالي للاستقلال عن إيطاليا، واذ بموقفه المدافع عن مصالح الشعب الصومالي يدفع أحد عملاء المخابرات الايطالية إلى إطلاق الرصاص عليه في 16 ابريل 1957. كانت السيدة أمينة مراد شخصية قوية وملفتة، وأخوها محمد حلمي مراد القيادي بحزب مصر الفتاة أو الاشتراكي أوائل الخمسينات. وكان هواي مع ذلك الحزب لفترة، وسعدت أن أرحب بهم مع الأستاذ إسحق. وكانت الجلسة لترتيب الاحتفال بالذكرى الأولى لاستشهاد كمال الدين صلاح عام 1958. وكان احتفالا مهيبا شهده بعض السفراء المصريين وممثلي الحكومة، بل والزعيم المغربي عبد الكريم الخطيب، زعيم الريف المراكشي في ذلك الوقت. وفوجئت بالشاب الصومالي أحمد الأزهري يعرفني بالزعيم الصومالي "الحاج محمد حسين"، ذي الأصل الأوجاديني والزعامة في الصومال الايطالي والبريطاني، حيث زعامة الصومال الفرنسي (جيبوتي) لمحمود حربي الذي قابلته في الرابطة الإفريقية بعد ذلك.
         سعدت بهذه الأجواء التي أتاحت لي مالم أكن أتصوره من تعاملي مع كل ذلك في الرابطة الإفريقية، حيث لم يكن يمر اسبوع أو أكثر حتى كنا نحضر مقابلات وفود من الشخصيات نسمع عنها في الصحف كشخصيات بارزة في أوطانها تقابل الوزراء وكبار المسئولين في الصباح وتأتي للمقابلات الشعبية في المساء. وفي كثير من الأيام كان يعقد لهذه الوفود ما يشبه المؤتمر الشعبي، وإذ بي في حالات مثل حضور وفود الشمال النيجيري من كانو وسوكوتو أو وفد مسلمي الأشانتي، أجد نفسي مطلوبا للترجمة من الانجليزية للعربية لكثافة الحضور من شباب وأهالي عاديين من القاهرة. وكان الأمر صعبا إلى حد كبير ومحرجا أحيانا، لأني لم أكن كفؤا بهذه الدرجة لأترجم ترجمة فورية. . . ! ولكني كنت منافسا على الوظيفة الأعلى إلى جانب السيد فايق الذي كان يحضر بعض هذه اللقاءات ويقترب منه الشبان المصريون الآخرون في عضوية الرابطة. وقعت في مثل هذا الحرج في عملية الترجمة في مصادفة أخرى غريبة بعيدة عن تلك الاحتفالات في الرابطة . . . 
كان الأستاذ إسحق يوصي بي دائما أمام السيد فايق لتحقيق وضع وظيفي لي في الرابطة أو في إدارة الرئاسة. وفوجئت مرة بالسيد فايق يطلبني لقسم الترجمة في مبنى مجلس الوزراء بشارع القصر العينى. وهناك خصصوا لي شريط أخبار وكالات الأنباء مثل رويترز والأسوشيتيد برس عن إفريقيا فقط، فزادني ذلك معرفة يومية بمجريات الحال في القارة، حتى ناداني في احد الأيام رئيس القسم ليسألني وأمامه ورقة من ترجمتي عن وظيفة ذلك الرجل المذكور في النص كعضو في لجنة عليا تحقق في احداث "الماوماو" بكينيا وامامه كلمة ex officio فقلت له هو "موظف سابق" لتصوري منطقيا ان ex تعني السابق واذ به يسخر من احتمال تضليلي للمسئولين أو الجمهور لأنها تعني "بحكم وظيفته" . . ! 
وحمدت الله على إنقاذ رقبتي وأنا أتصور أن بعض ترجماتي قد تكون مطروحة على رئيس الدولة نفسه! وتعلمت عدم التسليم بأمر قبل الاختبار الدقيق.
        
كانت القاهرة فيما بعد العدوان الثلاثي تعيش "حالة انتصار" حققت خلالها اقترابا نافعا من الاتحاد السوفيتي ودول "الكتلة الشرقية" أو الاشتراكية كما شاع وقتها من أسماء، وسط عالم تسعى فيه الولايات المتحدة لتعويض خسارة "الغرب" لمصر. وفي جو انتصارات عبد الناصر هذه، بدأت بعض مظاهر التحرش . . . ( . . . ) ومن ثم نستطيع أن نتصور إدراك عبد الناصر للمكائد المتوقعة إزاء ما يبدو من إفساده خطة الغرب في هذا الشرق الأوسط ( . . . )
          لذلك بدا أن التحرك ضروري في عالم "باندونج" الذي تعرف فيه الزعيم على معنى الدول المنحازة وغير المنحازة، ورحب بتحرك "الزعيم نهرو" بنفس الاحساس ربما تحفظا على النفوذ الصيني – الروسي من جهة، ورغبة في بناء كتلة غير منحازة عموما من جهة أخرى. وكان اتصاله بعبد الناصر وراء انعقاد مؤتمر تضامن الشعوب الأسيوية الإفريقية في ديسمبر 1957. وأدى انعقاد هذا المؤتمر في رحاب جامعة القاهرة، إلى موجة عالية جدا من الشعور بمعنى قوى التحرر الوطني، وبدا أن عبد الناصر يحاصر الخطط الغربية كلها بالحضور الإفريقي الواسع عقب هذا المؤتمر، حيث كانت العلاقة بالآسيويين مألوفة، كما كانت العلاقات المصرية السوفيتية في تطور ملفت مرتبطة بالطموحات الاجتماعية الداخلية.
 
مؤتمر التضامن ولقاء زعماء حركات التحرر
 
الإشارة الخاصة هنا إلى مؤتمر الشعوب الإفريقية الآسيوية، هي عن نتائج المؤتمر في تجربتي الخاصة، إذ أصبح مقر الرابطة الإفريقية يضم العديد من الشخصيات الإفريقية، التي اتفقت مع القيادة المصرية على بقاء تمثيلها في القاهرة. سآتي على ذلك تفصيلا بعد قليل، لكن ما يهمني هنا سعادتي بمقابلة زعماء كبار في بلدانهم. أتاحت لي معرفتي المتواضعة بالانجليزية للحديث إليهم، حتى من يتحدثون بالفرنسية ويتعاملون بانجليزية متواضعة أيضا مثل فيلكس مومي، زعيم الكفاح المسلح في الكاميرون، وقائد حزب شعب الكاميرون (Union of the Peoples of Cameroon, UPC)، أو أجناسيوس موسازي زعيم المؤتمر الوطني الأوغندي (Uganda National Congress Party, UPC)، أو جوشوا نكومو زعيم روديسيا الجنوبية وحزب الزابو هناك (Zimbabwe African People's Union ZAPU)، فضلا عن قيادات كينيا وجنوب إفريقيا. وفي تلك الفترة أخذت تحضر وفود شعبية بعضها لمسلمي بلاد مثل نيجيريا وحتى قيادات مسلمي الأشانثي في غانا.
         ثمة وقائع أو مقابلات تبقى آثارها في الذهن طويلا... ففي ربيع 1958 هذا، شكلت سكرتارية تضامن الشعوب الإفريقية الأسيوية الدائمة بالقاهرة، وأمر الرئيس المصري بتوفير مقر مناسب لها يليق بدور مصر في هذه الحركة. وكان قد تم اختيار السيد يوسف السباعي أمينا عاما للمنظمة، بعد اختيار السيد أنور السادات رئيسا للمؤتمر، ومن ثم استمرت رئاسته للمنظمة واختارت العلاقات العامة مقرا في "المنيل" على النيل، أنيقا ولائقا بحضور ممثلي الهند والصين وجنوب إفريقيا وغيرهم أعضاء سكرتارية مؤتمر الشعوب الأفرو آسيوية الدائمين.
وهناك كان يقبع السيد يوسف السباعي، أمينا عاما للمنظمة كما كان كذلك لعدة هيئات أدبية وثقافية في مصر، فضلا عن أنه كان أديبا رومانسيا لامعا، وحبيب جيل بنات البرجوازية الصاعدة . . ! 
كان المقر شهيرا بحسناوات سكرتارية السباعي، وطرائف مرسي سعد الدين، والدؤوب إدوارد الخراط الذي كان يحمل أعباء السكرتارية العامة ومؤتمراتها على كتف صلب بحق. ولم اكتشف أنه يكتب القصص الجيدة إلا بعد بضع سنوات، لأنه كان لايظهر إلا وجهه البيروقراطي.
         كان من التقليد سياسيا أن ترشح حركة التحرير المعتمدة في مصر، مقيما رئيسيا في الرابطة الإفريقية، وتمثيلا – قد يكون نفس الشخص أو مساعده – في مقر سكرتارية التضامن الإفريقي الآسيوي. ولسبب ما لم أعرفه جيدا كان ثمة حساسية بين بعض المسئولين وهذه السكرتارية كنت أشعر به من موقعي في الرابطة الإفريقية، حتى قبل أن أتحول لموقعي الرسمي في الرئاسة كما سيرد بعد. لكن ذلك جعلني في موضع المراقب فقط، أو قل المنافس على كسب مودة ممثلي حركات التحرير الإفريقية. كان عام 1958 مفعما بالنشاط في كل اتجاه، كما قلت، لصلة ذلك بمكانة الزعيم المصري حتى بدت الاجراءات الاجتماعية، والتنظيم الداخلي للبلاد وكأنه في درجة ثانوية، بل كان "الاتحاد القومي" حزب الحكومة موضع سخرية دائمة لا يبالي بالعمل الإفريقي بقدر ما كان يبدو حاميا للإنتهازيين وأصحاب "المشروعات الخاصة" في اتجاه الحكم، ومن ثم لم يكن للشباب أي تطلع نحوه رغم اهتمامي بمعنى وقيمة التنظيم السياسي الذي يبدو في تلك المستعمرات التي "أرعى قيادتها" في مصر.
بدأ زعماء آسيا وإفريقيا يتوافدون على البلاد، والشواغل ممتدة من السودان إلى الصومال، إلى حماية لبنان وبقائها واجهة لنفوذ القومية العربية المتمترسة في دمشق، وانقلابات البعث والشيوعيين في العراق، والتوتر بين الهند والصين. وكان ذلك من شواغل المقاهي الثقافية بالطبع، وسيعذرني القارىء لثقتي أنه تابع ذلك فيما كتب من مذكرات أو حكايات الصحافة النافذة، بما لا يتوجب تكراره ولكني هنا أضع أجواء تأسيسي الشخصي في العمل المصري الإفريقي، في فترة كانت – من حظي – تأسيسية في هذا العمل نفسه (1958/1960).
         كان وصول بعض القيادات الإفريقية، ونتائج زيارتهم، ذا معنى خاص مباشر لمصر، بالإضافة لمعنى وجود حركات التحرير في مجمله. كان استشهاد كمال الدين صلاح بالصومال بالطبع مؤثرا دائما، يحكي عنه معي "الحاج محمد حسين" رئيس حزب "الليجا" أي الرابطة الصومالية، وكيف أنه كان شخصا يناضل مع أبناء "الأوجادين" لتحريرهم من وطأة النظام الإثيوبي من جهة، ومع أبناء الصومالات الخمس (وفق العلم ذي النجمة الخماسية) من جهة أخرى، إشارة للتقسيمات الاستعمارية للصومال (البريطاني – الإيطالي – البريطاني – الأثيوبي – الكيني). خاصة وأن الحاج محمد حسين كان من القادة الصوماليين البارزين من مناطق الصومال الحبشي (الأوجادين)، بل ومن قبائل الداروط المسيطرين على جانبي الحدود. ومن هنا كانت زعامته في جنوب الصومال (الايطالي)، وأنه يعاني من زعامات في الصومال الايطالي تحديدا تتعاون مع الاستعمار، لكن الوضع كان أفضل مع الوطنيين في هرجيسا (الشمالي) وفي جيبوتي (مع محمود حربي).
كانت ثورة الجزائر أيضا تشد انتباهنا كثيرا، وكانت القيادة المصرية حريصة على معنى مواجهة فرنسا في الجزائر وشمال إفريقيا بعد عدوانها على مصر، حيث كانت إذاعة "صوت العرب" تطلق في الثامنة مساء كل يوم برنامجها الخاص بصوت جهوري يقول "شمال إفريقيا بلادنا، حريتها حريتنا"، وهكذا مع توالي نجاحات الثورة، حتى كان فيلم "جميلة بو حريد" قمة التعبير عن هذه العلاقة الشعبية الخاصة. وسبق أن ميزت في الرابطة الإفريقية حضور عبد الكريم الخطيب اللاجىء السياسي كمجاهد من "مراكش"، لأن الجزائريين كانوا معتزين بوضعهم كحكومة مؤقتة في المنفى ذات مقر خاص بجاردن سيتي، ويعيش بعض ممثليهم في حالة وزارية كاملة، ومن ثم لم أسعد بهذه الصلة بهم في الرابطة.
ولكني كنت أعيش حالة أخرى مع الدكتور فيلكس مومي زعيم الكاميرون، الذي يقاوم أنصاره في الجبال أيضا على نسق ما يفعل الجزائريون، وكان هدفه ضرب نفوذ عملاء فرنسا كما كان هدف مصر، وكنت أتألم أحيانا لعدم احتفاء الاعلام بمثل هذا الرجل الذي كان تقديره عاليا بين الأفارقة من أنحاء القارة، كما كنت أتابع نشراته بالفرنسية ضد أحمدو أهيدجو رئيس فترة الانتقال في الكاميرون (1958/1960) لصالح استقلال "ذي طابع فرنسي" تعده فرنسا لعام 1960، مع غيره من دول الفرانكفون التابعة. ولذا كانت خشيتهم عظيمة من شخصية مثل مومي فقتل مسموما في سويسرا . . !
وبينما كانت الكاميرون رقما هاما ضد فرنسا بنضالها المسلح، كان خروج غينيا كوناكري على النفوذ الفرنسي باختيار سيكوتوري إعلان الاستقلال من جانب واحد في اكتوبر 1958، له معنى هام جدا رسميا وشعبيا في مصر. وتكونت الوفود للسفر إلى كوناكري لتحية هذا الاستقلال وابداء الرغبة في المساعدة. وبرزت على ساحة العمل الإفريقي وجوه غير مألوفة فيه مثل د. فؤاد جلال رئيس البرلمان، وأحمد فهيم رئيس اتحاد العمال، كما ذهب أحمد بهاء الدين وكتب بشكل جعل المسألة في غاية الشعبية، وأعلن كثيرا عن مساعدة مصر لشعب غينيا في المجالات المختلفة، لأنه شاع أن فرنسا سحبت كل الخدمات القائمة في البلاد وهي تخرج مدحورة من هناك.
لم يكن حضوري مع د. مومي هو القيمة الوحيدة، فقد جاء جوشوا نكومو لفتح مكتب "روديسيا" (زيمبابوي) لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي لروديسيا (SR- ANC). وكان لابد للزعيم نكومو أن يقابل عبد الناصر أولا، فبقي عدة أيام في مصر، وطلب مني السيد فايق أن أصاحب الرجل في القاهرة يوما حتى يتحدد موعده مع الرئيس. جرت حوارات ممتعة مع الزعيم الإفريقي، وبدأت علاقة ود مع نكومو استمرت فيما بعد، حتى أنه دعاني شخصيا مع أصدقاء لزيمبابوي عقب الاستقلال 1980! في هذه المقابلة المبكرة شرح لي فكرة مسمى "المؤتمر الوطني الإفريقي" في بلاده، وفي معظم دول الجنوب الإفريقي نتيجة تأثير معنى وقيمة المؤتمر "Congress" الذي أسسه الزعيم مهاتما غاندي في الهند بعد تجربته في جنوب إفريقيا. وحكينا عن مشكلة المستوطنين ورغبتهم في حكم إفريقيا أو أجزاء كبيرة منها. كانت تلك هي سياسة بول كروجر وسيسيل رودس في مطلع القرن العشرين، وكانا على اتصال بثيودور هرتزل الصهيوني لتشابه المشروع في فلسطين. ( . . . )
وحيث تأخر الموعد مع الرئيس لبضعة أيام صاحبت نكومو في نزهة بالقاهرة (بناء على تعليمات السيد فايق أيضا)، فلم يتفتق ذهني في حدود خبرتي الضئيلة بالترفيه إلا أن أصحبه إلى حديقة الحيوانات بالجيزة، وهي النزهة الوحيدة التي كنا نستمتع بها أطفالا وصبية! ومن اللطيف أنها ملاصقة للجامعة، وعند خروجي منها قابلت د. محمد أنيس الذي كنا تصادقنا في لقاءاته المثمرة والعبثية مع تلاميذه. وعرفته بالزعيم الإفريقي وقلت إننا كنا في حديقة الحيوان. ضحك أنيس بشده وقال: "يعني الرجل القادم من بلاد "الناشيونال بارك" (National Park)، "براري الحيوانات الوحشية السياحية"، تذهب به إلى حديقة الحيوان يا حلمي!" ونقل هذه المزحة الشعبية للرجل، وإن بلطف، ثم راح يتحدث معه عن السياسات الاستعمارية في إفريقيا، مما جعل الرجل يتساءل عن الجامعة والجامعيين في مصر، ويعجب بي أيضا لصداقتي بأساتذة بهذا الشكل. وحاول تخفيف المزحة على مايبدو فشرح لي معنى وموقع "الناشيونال بارك" في بلاده وكذلك في جنوب إفريقيا وكينيا. ولم أكن أتصور أن السياحة وسط عالم الوحوش ممكنة، وإن كنا نعيش وسط الوحوش الانسانية بمخاوف أبشع!
وقد حاول نكومو أن يتفهم مني أيضا أوجه التشابه التي ألمحت إليها بين روديسيا ومشكلة فلسطين، فشرحت له إشكالية الزعم الاستيطاني العنصري في فلسطين والجزائر وكينيا، وفي روديسيا وجنوب إفريقيا على السواء. لكني شعرت مبكرا أن الحركة الصهيونية والكثافة اليهودية في الجنوب الإفريقي، تجعل زعيما مثقفا مثل صاحبنا يغيب عنه الارتباط بين الصهيونية وقضية الاستيطان الرهيبة أيضا في بلاده . . . ( . . . )